كلمة الرئيس نجيب ميقاتي في افتتاح اجتماع منظمة الاسكوا عن "الإصلاح والانتقال إلى الديموقراطية"
الأحد، ١٥ كانون الثاني، ٢٠١٢
سعادة الأمين العام للأمم المتحدة،
الحضور الكريم،
يُسعدني جدا أن أرحب بكم جميعاً وأشكركم على حضوركم إلى لبنان، الذي كان وسيبقى بإذن الله، نموذجا للديموقراطية والحرية والانفتاح والاعتدال والعيش المشترَك وحوار الأديان والثقافات. كما أودّ أن أشكر أيضاً لجنة الاسكوا، ممثلة بالأمينة التنفيذية الدكتورة ريما خلف، على تنظيمها هذا الاجتماع، وعلى ما تبذله من جهود على رأس هذه اللجنة التي يستضيف لبنان مقرها منذ سنوات ويُسعده ان تستمر مع شقيقاتها منظمات الامم المتحدة على ارضه الطيبة المضيافة.
الحضور الكريم،
يُعقد هذا الاجتماع في مرحلة مصيرية من تاريخ منطقتنا العربية، تكاد تكون الأهم منذ عقود. فهذه المنطقة الغنية بتراثها الإنساني والثقافي العريق، والتي شهدت الكثير من الإنجازات المشرقة وكذلك النكسات الأليمة، تهبّ عليها رياح تغيير يتطلب تحوّلاً في المواقف والذهنيات، في الخطط والبرامج، في الاداء والممارسة، في استخلاص العبر من الماضي واستشراف المستقبل وبنائه. وإجتماعكم اليوم يطرح أسئلة مهمة تتردّد في ذهن كل مواطن عربي، مهما كان موقعه، محورها أي مستقبل لهذه المنطقة وشعوبها؟
الحضور الكريم،
لقد أطلق "الربيع العربي" تغييرات وصلت ارتداداتها إلى كل أنحاء العالم. وهذه المنطقة، بحكم موقعها الجغرافي، وبما تختزنه من موارد طبيعية وبشرية، تؤدي دوراً استراتيجياً في انتعاش الاقتصاد العالمي وعافيته. ومن هذا المنطلق، فإن انظار العالم تتابع ما يحصل من أحداث متسارعة ومتتالية، فيما شعوبنا تنظر إلى ما سيأتي به هذا الربيع من ثمار ، مع ادراكنا بأن الانتقال إلى الديموقراطية هو عملية دقيقة، مليئة بالفرص والتحديات. أما بناء الدولة والمؤسسات الدستورية وتطوير النظام الديموقراطي والمواطَنة، فهم جزء من مسار محوري، دائم ومستمر، ومن دونهم تبقى السياسات والبرامج الإنمائية والاقتصادية - الاجتماعية قاصرة عن مواكبة متطلّبات الشعوب، ومستلزمات الحياة الكريمة اللائقة، بكل ما يتضمنه هذا المفهوم من أبعاد معيشية وإنمائية وثقافية وانسانية.
إن الديمقراطية، أيها السادة، والتي باتت خيار الشعوب الأمثل، لا تتعزّز من دون تغيير الذهنية، وبناء الدولة القوية والقادرة والعادلة، وإصلاح المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، ومواكبة متطلّبات العصر، في إطارٍ من المساءلة والمحاسبة والحكم الصالح ومحاربة الفساد ونبذ التطرّف والإرهاب. وفي هذا السياق، فان الحكومة اللبنانية وضعت في سلم أولوياتها موضوع الإصلاح الاداري والحوكمة وتطوير النظام الديموقراطي، من خلال وضع قانون جديد للانتخابات النيابية يضمن التمثيل المتوازن والسليم لكافة مكوّنات المجتمع اللبناني، وهي عازمة على المضي في خطوات اصلاحية رائدة مهما بدت الطريق اليها متعرّجة.
الحضور الكريم،
نجتمع اليوم تحت مظلة الأمم المتحدة ولجانها الإقليمية، ومنها الإسكوا التي للبنان شرف استضافتها في قلب عاصمته بيروت. وهذه المنظمة الدولية كانت وستبقى الملاذ الآول للشعوب التي تنشد السلام والأمن والحرية والديموقراطية والنمو، وملتقى حوار الثقافات والدفاع عن الحقوق ومساندة القضايا العادلة، لاسيما قضايانا العربية المُحقّة التي كان نصيبها كبيرا من الصراعات والنزاعات الداخلية والخارجية، والتي اوقعت الكثير من الضحايا والمآسي وألحقت باقتصاداتنا ومجتمعاتنا ومواردنا خسائر جسيمة قد يستغرق تعويضها زمناً طويلاً.
ومن أبرز عوامل الصراع إستمرار الاحتلال الاسرائيلي للكثير من الاراضي العربية لا سيما منها في فلسطين - القضية المركزية ومفتاح الحل. فاسرائيل التي تدّعي الديموقراطية، تحتل شعباً آخر، وتستوطن أرضه، وتستولي على موارده، وتمارس التمييز العنصري من دون أي رادع، ولا تتردّد في مخالفة القرارات الدولية والأعراف، أو تجاهلها، منتهكة أبسط المبادئ والحقوق الإنسانية على مرأى من الجميع.
ولا بد في هذا السياق من التأكيد على إننا نتطلع الى أن تكون الامم المتحدة اكثر عدالة في إصدار القرارات الدولية وفرض تطبيقها، ولنا في التجربة اللبنانية مع الاحتلال الاسرائيلي خير دليل، حيث لا تزال إسرائيل تستبيح سيادتنا اللبنانية في الجو والبر والبحر كل يوم، وتحتل اجزاء من أرضنا العزيزة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر، على مرأى من العالم. في المقابل، فان لبنان الذي التزم احترام القرارات الدولية، يتمسك بضرورة تطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته من دون تمييز أو انتقائية، مع احتفاظه بحقه المشروع في تحرير ارضه المحتلة بالطرق المتاحة كافة، لاسيّما تلك التي تنص عليها الشرعة الدولية لحقوق الانسان .
أيها الحضور الكريم،
إني على ثقة بأن القيادات في العالم العربي، ستتوصل في ظل الوعي الشعبي الذي ظهر جلياً، وبدعم من المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى إرساء الأسس اللازمة لإطلاق عمليات التغيير والإصلاح والتنمية المستدامة، بما في ذلك تفعيل دور المؤسسات الدستورية وتطويرها والانتقال إلى الديموقراطية التي هي الضمانة لتحصين الدول والمجتمعات والارتقاء بها. وكلما تحقق ذلك بالحوار والتوافق والنقاش الديموقراطي العادل والمتكافىء، بعيدا عن لغة العنف والدم والقتل والتدمير، كلما كان "الربيع العربي" ربيعاً حقيقياً، تغييرياً، تجديدياً، واعداً، يحمل براعم مجتمعات منفتحة على مستقبل مزهر ومشرق لجميع أبنائها، رجالاً ونساءً، على اختلاف طوائفهم وأديانهم، وتنوّع انتماءاتهم السياسية والعقائدية.
وبما أن الإخفاق في الوصول إلى الحرية والديمقراطية والعدالة والاعتدال والسلام والاستقرار، هو إخفاق للمنطقة بأسرها، والنجاح في ذلك هو نجاح للمنطقة بأسرها، فان تسمية "الربيع العربي"، لا بدّ من أن تكون دعوة جديدة إلى تضافر الجهود وتفعيل العمل العربي المشترك لخير دول المنطقة وشعوبها وقضاياها. آن الأوان كي نباشر بإطلاق مشروع اقتصادي يُسقط الحواجز بين البلدان العربية، ويقرّب بين دولها والمجتمعات. إن التوصل الى ارساء سوق عربية مشتركة تسمح بالتبادل التجاري الحرّ، وبتنقل المواطنين من دون أية عوائق، هو مدخل لبناء مجتمعات عربية سليمة وسلمية تتوق الى الانفتاح والتفاعل والنمو والازدهار. وما هذا اللقاء المهم، ووجود الأمين العام للأمم المتحدة هنا شخصياً، مع الأمناء التنفيذيين للجان الأمم المتحدة الإقليمية، جنباً إلى جنب مع رؤساء جمهوريات وشخصيات مرموقة ومرشحين لتسلم زمام الحكم وقياديين.. إلا تعبير واضح عن الالتزام بتعزيز التعاون والتكامل الإقليميين، ودعم العمل المشترك في سبيل الديموقراطية والحرية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان.
ايها الحضور،
أجدد شكري للاسكوا لتنظيم هذا الاجتماع. وأجدد التزامي، باسم الحكومة التي أتشرف برئاستها وباسم الشعب اللبناني، بأن يكون لبنان في مقدمة الداعمين لتحقيق التطلعات المشروعة للشعوب العربية نحو تحقيق امالها في الاصلاح والتجدّد والديمقراطية والنمو. فالتاريخ حافل بالتجارب التي اظهرت وتظهر أن التعدّدية والتنوّع والتنمية في مناخ ديموقراطي متفاعل، هم الضمانة لمستقبل الشعوب وتقدّمهم.
أشكركم جميعاً على حضوركم، وأتمنى لاجتماعكم كل النجاح والتوفيق، ولسعادة الامين العام والضيوف الكرام طيب الإقامة في بيروت.
وشكراً.

