معادلة ميقاتي: لا تنازلات تهدد موقع رئاسة مجلس الوزراء
الإثنين، ٢٠ شباط، ٢٠١٢
جريدة السفير – نبيل هيثم
يقف مجلس النواب الأربعاء أمام اختبار بلورة مخرج قانوني لعقدة بدل النقل، سواء باعتماد الاقتراح المقدم من قبل «المستقبل» عبر نبيل دو فريج أو المقدم من «تكتل الاصلاح والتغيير» عبر إبراهيم كنعان أو حتى من خلال دمجهما معا وهو أمر مستبعد، إلا إذا تبلورت صيغة من خارج الاثنين معا، لكن السؤال المطروح هل سيفضي ذلك إلى حل الأزمة الحكومية وإيجاد نوع من تسوية يلتقي فيها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي و«تكتل الإصلاح والتغيير» في منتصف الطريق وصولا لإعادة لمّ الشمل الحكومي؟
يبدو ان ثمة قرارا سياسيا واضحا بلمّ الشمل الحكومي، لكن الخلاف بين ميقاتي والعماد ميشال عون، يتجاوز بدل النقل وتقنياته، وهو يتصل بملفات متراكمة بينهما بدءا من مرحلة التكليف مرورا بمرحلة التأليف وصولا الى النظرة المتباينة حول مقاربة ملفات عدة في مجلس الوزراء مثل خطة الكهرباء والملف النفطي بالاضافة الى ملف التعيينات من دون اغفال «المشكلة الام» حول عمل مجلس الوزراء والصلاحيات وامتناع وزير عن توقيع مرسوم صادر عن السلطة التنفيذية، وهذه كلها عناوين متصلة بجوهر اتفاق الطائف.
واذا كان وزير العمل شربل نحاس ما زال يردد بانه لن يوقع مرسوم بدل النقل، ليس لكون هذا المرسوم مخالفا للقانون فحسب، بل لأن مجلس الوزراء نفسه هو الذي خالف القانون واتخذ قرارا مخالفا للقانون، وأنه ثمة حالة وحيدة يوقع فيها المرسوم يتطلب بلوغها عبور ثلاث محطات:
اولا، اقرار قانون في مجلس النواب يشرّع بدل النقل من ضمن تقديمات وعطاءات للاجراء، وثانيا، وضع مرسوم بناء على هذا القانون، وثالثا، توقيع وزير العمل على هذا المرسوم، فان مناخ رئيس الحكومة بدا مشدودا في اتجاه مختلف أيضا. يقول الميقاتيون أن ثمة ثوابت لا يمكن تجاوزها ويعددونها على الشكل الاتـي:
اولا: ان ميقاتي يرفض اي مخرج سواء البس ثوبا قانونيا او غير قانوني على حساب مؤسسة مجلس الوزراء، لا بل ان كلمة «تسوية» مرفوضة في قاموسه، فالتسوية الوحيدة المقبولة هي التوقيع على مرسوم بدل النقل و«نقطة على السطر».
ثانيا: ان ميقاتي يرغب في ان تبنى الانطلاقة الحكومية الجديدة، على مداميك متينة وليس على مداميك هشة قابلة للتداعي والسقوط عند اي اشكال او اختلاف في الرأي.
ثالثا: لا يستطيع اي طرف في الحكومة ان يعتبر نفسه هو وحده الرقم الصعب في الحكومة، واذا اعتمدنا لغة الارقام الصعبة، فكل مكون من مكونات هذه الحكومة هو رقم صعب ايا كان حجمه، علما بأنه لو كانت المسألة مسألة أحجام لاستوجب الأمر أن يحصل «حزب الله» وحركة «امل» على ثلث المقاعد الوزارية وهما لم يفعلا ذلك بل تنازلا عن أحد مقاعدهم للمرة الأولى في تاريخ تأليف الحكومات.
رابعا: ان رئيس الحكومة هو رئيس مؤسسة مجلس الوزراء وليس وزيرا اول كما كان قبل الطائف. وصلاحياته كاملة منصوص عليها في الدستور ويمارسها بلا زيادة او نقصان، وبالتالي فإن من مسؤولية ومهام رئاسة مجلس الوزراء متابعة اعمال كل الوزارات وبالتالي على الوزير ان يكون تحت سلطة رئاسة الوزراء... والا لماذا أسمي رئيس الوزراء؟
خامسا: ان العمل الحكومي لا ينتظم ابدا في ظل التمرّد والمزاجية وخلق اعراف وسوابق تشل الحكومة وتتجاوز الطائف. فالوزير هو سيد على وزارته، وليس سيدا على مجلس الوزراء. وبالتالي لا يستطيع ان يتمرّد على قرارات مؤسسة مجلس الوزراء ايا كانت هذه القرارات. واذا كان يحق لوزير ما ان يتمرّد على قرارات السلطة التنفيذية وان يرفض الامتثال لقرار حكومة هو جزء منها، فمعنى ذلك انه يحق لثلاثين وزيرا ان يتمردوا، ومن شأن ذلك ان يؤدي الى تعطيل هذه المؤسسة بالكامل. واذا كان من حق كل وزير ان يتمرّد على قرارات مجلس الوزراء فما هو معنى وجود مؤسسة مجلس الوزراء في هذه الحالة؟
سادسا: ان ميقاتي يرفض ان تتحول رئاسة مجلس الوزراء الى كيس ملاكمة، فهيبة الرئاسة الثالثة ومقامها خط احمر بالنسبة اليه، وبالتالي لن يسمح بأن تمس تلك الهيبة وان يتعرض مقام رئاسة مجلس الوزراء لاي انكسار معنوي أو غير معنوي وتحت اي عنوان، فهذا الموقع ليس ملكا لنجيب ميقاتي بل له رمزيته. وكما يمثل رئيس الجمهورية الموقع الماروني الاول، وكما يمثل رئيس مجلس النواب الموقع الشيعي الاول، يسري الأمر نفسه على رئيس الحكومة الذي يمثل الموقع السني الاول وهو في النهاية رئيس حكومة كل لبنان كما هناك رئيس جمهورية كل لبنان ورئيس مجلس نواب كل لبنان وبالتالي اي محاولة للمس بهيبة هذا الموقع مرفوضة خاصة وانها تشكل اخلالا بالتوازن الموجود في البلد، واخلالا بالطائف، واذا ما حصل لا سمح الله مس بموقع رئيس الحكومة معنى ذلك رفع الحرم عن سائر المواقع.
سابعا: ان رئيس الحكومة ملتزم النص الدستوري شكلا ومضمونا، فإذا كان ثمة من سبق له ان ألف حكومته من الرابية، (المقصود هنا سعد الحريري)، واذا كان هناك من ألف حكومته بحسب توقيت الرابية، (المقصود هنا فؤاد السنيورة)، فإن ميقاتي، لن يبادر الى ما يمكن أن يتحول الى أعراف ولن يكرس أي أمر يمس بصلاحياته.
ثامنا: ثمة فصل للسلطات في لبنان، ورئيس الحكومة ليس معنيا بأي اقتراح قانون في مجلس النواب ينطوي على افتئات على صلاحيات السلطة التنفيذية او يمس بتلك الصلاحيات، وما يعنيه فقط هو ان يوقع وزير العمل على مرسوم بدل النقل إنفاذا لقرار مجلس الوزراء. «تصوروا مثلا لو أن ثلاثين وزيرا تمردوا على قرارات الحكومة، ولم تأت المخارج الا من مجلس النواب عبر اقتراحات قوانين، هل يكون المطلوب أن تصادر السلطة التشريعية صلاحيات السلطة التنفيذية، وماذا يكون قد بقي من كل صلاحيات رئاسة الحكومة ومؤسسة مجلس الوزراء».
تاسعا: للعماد ميشال عون أن يتقدم باقتراح قانون وهو أصلا من الرافضين لصيغة الطائف، لكن ما معنى أن يبادر أحد نواب «المستقبل» الى تقديم صيغة تمس بموقع رئاسة الحكومة وهل يريد البعض أن يفرط بالموقع السني الأول.. ومن موقعه في المعارضة؟

