إلى متى يُشهر ميقاتي سلاح الاستقالة؟
الخميس، ١٩ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة النهار – سركيس نعوم
لا يزال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعتبر، استناداً الى قريبين منه، ان سياسة "النأي" عن اتخاذ مواقف منحازة من القضايا الملتهبة هي الأكثر فائدة للبنانيين. ذلك ان جمر خلافاتهم لم يعد تحت الرماد، وحكمة المسؤولين في البلاد تقضي بمنع تحوّلها ناراً تلتهم الجميع. والحكمة نفسها يجب ان تحكم مواقف كل القيادات والفاعليات السياسية اذا كانت مصلحة لبنان في صدارة اهتماماتها كما تقول. انطلاقاً من ذلك يرجح هؤلاء ان تعتمد الحكومة سياسة "النأي" في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب اواخر الاسبوع الجاري الذي سيبحث جملة موضوعات تتعلق بسوريا منها تقرير المراقبين العرب الذين ارسلتهم الجامعة لاستكشاف ما يجري فيها ومهمتهم في صورة عامة. ومنها ايضاً البحث ربما في ارسال "قوة عربية لوقف العنف" في سوريا على ما اقترح امير دولة قطر قبل ايام. ومنها البحث في الطلب الى مجلس الامن الدولي تولّي الموضوع السوري، والبحث في افضل الطرق لوقف العنف فيها والقمع الشديد الذي يمارسه النظام ضد الثوار، ولتلافي اخطار حرب اهلية طويلة.
طبعاً، يستدرك القريبون من الرئيس ميقاتي، لن يعجب موقف النأي هذا الفريقين الاساسيين اللذين يستأثران بتمثيل غالبية الشعوب اللبنانية اي 8 آذار و14 آذار، وقد يعرّضه ذلك لانتقادات كثيرة وتهجُّمات وخصوصاً عبر وسائل الاعلام وبواسطتها. ذلك ان لكل منهما حساباته الداخلية الخاصة وتحالفاته الاقليمية المعروفة التي لا يستطيع التخلي عنها، لأنها ربما سبب وجوده او سبب بقائه او سبب استمراره رغم كل الضغوط والظروف غير المؤاتية. إلا أن هذين النقد والتهجم، اللذين يكشف نوعهما ومطلقهما احياناً كثيرة هوية الجهة المحرّضة عليهما، لن يتسبّبا على الاقل في هذه المرحلة بمشكلة سياسية صعبة ذات انعكاسات سلبية على الامن والاستقرار وعلى الوضع السياسي الحالي رغم هشاشته. ولذلك سببان. الاول، ان 8 آذار لا يجد له مصلحة حالياً في تفجير الحكومة، رغم عدم استحسانه الكثير من سياساتها ومواقف رئيسها، لأنه لا يضمن تأليف حكومة اخرى موالية له، ولأنه يخشى تحوّل اكثريته النيابية الحالية اقلية جراء مواقف الزعيم الدرزي الابرز جنبلاط وميقاتي، ولأنه قد لا يعتبر الظروف الراهنة مناسبة لكي يقلب الطاولة الداخلية على الجميع. فهو مثل اخصامه حريص على الدم اللبناني وخصوصاً اذا لم يكن هناك موجب جدي للتضحية به. اي اذا لم يشعر ان السكوت على ما تعرّض له او يتعرض من مفاجآت حكومية مزعجة لن يؤثر سلباً عليه. او اذا لم يصبح حلفاؤه الاقليميون وفي مقدمهم سوريا في حاجة الى تحرك حلفائهم اللبنانيين جراء تشكيل نشاطات اعدائهم في لبنان خطراً مباشراً عليهم.
الى متى يستمر هذا "التعقّل الضمني" عند الاطراف اللبنانيين؟
لا احد يعرف. لكن الجميع متأكدون انه مرتبط بتطوّر الاوضاع في سوريا، سواء كان ذلك سقوطاً للنظام او سقوطاً للثورة او نوعاً من حرب اهلية او تدخلاً عسكرياً دولياً. لكن السؤال الذي يطرحه هنا لبنانيون كثيرون هو: هل يفتح تمديد الامين العام للامم المتحدة لـ"المحكمة الخاصة بلبنان" الباب امام اشتباك سياسي بين "حزب الله" والرئيس ميقاتي يؤدي الى سقوط الحكومة؟
القريبون من الرئيس ميقاتي انفسهم يعتقدون ان "حزب الله" الذي رفض "المحكمة" منذ البداية، والذي اكد ولا يزال يؤكد انه غير معني بها، مقتنع بأنها لن تؤدي الى نتيجة. وهو يعرف ان التطورات المهمة الجارية في المنطقة منذ قرابة السنة ولا سيما في سوريا تضع هذه المحكمة في المرتبة الثانية او الثالثة من الاهتمامات. لكنهم يعتقدون ايضاً ان ذلك لن يدفعه الى التساهل حيال مواقف الحكومة اللبنانية منها. ولهذا السبب ابدى امينه العام السيد حسن نصرالله للرئيس ميقاتي عتبه وانزعاجه جراء موقفه المصر على التمويل من دون التشاور معه او من دون ابلاغه موقفه اليه مسبقاً. وللسبب نفسه فإن موقفه من التمديد لبروتوكول المحكمة سيكون اقل تساهلاً. لكن هل يصل الى حد "تطيير" الحكومة رغم تمسكه بها حتى الآن اي على طريقة عليّ وعلى اعدائي يا رب؟ وهل يبادر ميقاتي الى الاستقالة اذا تعرّض لضغوط بالغة الشدة عليه من "الحزب" في شأن المحكمة؟ لا أحد يعرف جواباً عن السؤالين، لكن ما يؤكده هؤلاء القريبون هو ان ميقاتي يعرف انه لا يستطيع الاستمرار في التلويح بسلاح الاستقالة لأنه سيجد نفسه يوماً مضطراً لاستعماله. وهو ايضاً انه سيستعمله اذا وجد أن استجابته للضغوط ستمسّ لبنان والمحكمة الدولية ومصالحه.

