علاقة ميقاتي -حزب الله "من تحت الدلفة لتحت المزراب"
الثلاثاء، ١٧ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة البلد - ميسم رزق
جاء بان كي مون ورحل. حل ضيفاً إختلف أصحاب البيت في تصنيفه. لم تأت زيارته على قدر التوقعات. قبل أن تحط طائرته الخاصة في مطار بيروت بأسبوعين، أكثر من 100 تحليل وتحليل عوّم الزيارة متسائلاً أو ناقلاً أو مناقشاً ما سيسيل من لعاب الرجل سياسياً. موضوعان كانا هما الأبرز: المحكمة واليونيفيل. زار الجنوب وتوجه شفهياً الى سورية. أتى على ذكر المحكمة دون الدخول في تفاصيل نجحت في إعادة نشر حملة من التكنهات حول شكل العلاقة بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحزب الله الذي حذّر الأخير من “ العبث” مجدداً معه في ما يتعلق بالتمديد لبروتوكول المحكمة.
الحقائق الباهرة السطوع لا يمكن إخفاؤها. وفكرة التعايش القسري داخل الحكومة باتت ثقيلة. تمكّن ميقاتي من تمرير ما يريد تمريره سابقاً. اقله نجح حيث فشل الحزب في الأشهر القليلة السابقة “ الثبات على المواقف”. ورغم إدراكه بحساسية مستقبله السياسي واستعداد الطرف الاخر في الحكومة لقلب الطاولة عند ساعة “ الحشر” فإن ذلك لم يثنه عن السير بما يعلنه تحت عنوان “ المصلحة الوطنية”. لا تفوت حزب الله اللحظة التي تم فيها الإعلان عن التوصل الى حل في بند التمويل بغض النظر عن الصيغة ومخرجها. لم تكن الاجابة عن اسئلة القاعدة الشعبية قد جهزت بعد في الوقت الذي كان ميقاتي يعلن فيه “ انتصاره من قناة الوطنية”. بلع حزب الله “ الموس” ومشى. ولم يجد سوى في تكرار رفضه للمحكمة هروباً آخر من التعليق على تمويل “ المؤسسة الأميركية والإسرائيلية الصنع”.
أزمة في الأفق
فترة من “ الطاعة” قضاها الرجل والحزب معاً . “ شو اللي جابرك عالمر”؟ ضرورة الحفاظ على ثبات الحكومة في الوقت الراهن. لكن “ الحساب ثقل” عند حزب الله الذي استغل زيارة كي مون الى لبنان لتوجيه رسالة “ تحذيرية” للرجل لعدم اتباع النهج ذاته في موضوع التمديد لبروتوكول المحكمة الذي اصبح على مشارف المدة المقررة له. بعد تمويل المحكمة والقضاة وشهود الزور، أزمة جديدة تلوح في أفق الحكومة. التمديد لبروتوكول المحكمة، الذي سيذيّل ملفه بمشكل جديد حاول ميقاتي تلافيه بإعلانه أن “ التمديد يسير تلقائياً حتى لو لم يوقعه لبنان”. وهو “ تلكؤ” جديد لم يرض حزب الله في “ تقطيعه” خصوصاً وأن صورته أمام اللبنانيين في ما يخص هذا الملف باتت “هشّة”.
“ ما باليد حيلة “!
لم يعد حزب الله مقتنعاً بالتعاطي مع الأمور وكأنها مسلّم بها. ولم يعد مقتنعاً بأن يضع رأسه تحت ضغط الظروف الاقليمية التي ترجمت نفسها، توتراً على أداء شخصيات الحزب في الآونة الأخيرة. التعاطي بين الطرفين بات كالعيش في منشور زجاجي يقضي باتخاذ الإحتياطات المستمرة. والرسائل” البغيضة” لبان كي مون احيت مجددا تلك التخمينات حول مستقبل العلاقة بين ميقاتي والحزب خصوصا ً وأن في تصريحاته ما يُقصد به اعادة تذكير اللبنانيين، كل اللبنانيين بحتمية استمرار المحكمة. وعلى ما يبدو أن بعض الأطراف اللبنانية معجبة بصيغة “ الفرض” الدولي على قاعدة “ ما باليد حيلة”.
لكن ما يريده الحزب من ميقاتي هذه المرة بحسب مصادره اكثر من ذلك بكثير. “ ميقاتي ليس مسؤولاً عن توقيع البروتوكول واقرار بند المحكمة الدولية، هذا ليس من مسؤوليته، لكن من واجبه التملص منها ورفع الغطاء الرسمي اللبناني عنها، وهذا لا يقتصر على النأي بنفسه وبحكومته عما يفرضه مجلس الامن به كأمر واقع فحسب، بل وعلى تجنب “العبث” في هذا الملف بصيغة “ حيادية” متكررة. لا تزال المعركة بحسب المصادر “ معركة مبادئ” . وهو التعبير الذي لازم الحزب طوال مسيرة رفضه لعمل المحكمة، فلا المشكلة في التمويل ولا المبالغ التي سيدفعها لبنان، بل هي في أداة تستهدف حزب الله بالذات. ما على ميقاتي ان يلبّيه هو “ اعلان رفض واضح لعمل المحكمة وعدم استثمار ملفها لتحقيق غايات سياسية على مستوى الطائفة”.
تعديل البروتوكول
الأمر هنا لا يخلو من إهانة يشعر بها الحزب أو طعنة “ غدر” ينوي تناسيها أو ترقيعها. غض النظر أو تسجيل الاعتراض، سياسة لم تعد نافعة. يبدو أنه سئم من الجهود الشخصية لملاقاة الرجل عند مفترق الطريق الرمادي أو حمل العصا من نصفها. يظهر حتى الآن وكأنه حسم أمره في ما يتعلق بموضوع التجديد. لكن هناك من لا يكل من العمل السياسي واخراج السيناريوهات ذات الطبيعة التوفيقية. هنا بدأ البعض بالحديث عن امكانية تعديل هذا البروتوكول عن طريق إتفاق خطي بين الطرفين وهذا أمر منصوص عليه في المادة 20 من الاتفاقية. وهناك من بدأ التواصل مع الحزب لاقناعه بضرورة تمرير تمديد البروتوكول على صورة الملفات السابقة اذ ان اي تعديل أو توقيع لن يغير في واقع الحال وفي الخلفية التي يحتفظ بها كل طرف عن عمل المحكمة. لذا عليه أن“يسكت” عن مقاربة ميقاتي لاستحقاق التجديد للمحكمة.
التمويل سيستمر
تجديد البروتوكول واقع فعلاً. وأي تعديل في بنود الإتفاقية يحتاج الى توقيع جديد من قبل الطرفين الدولي واللبناني الذي سيكون محط إنقسام آخر. مع أن عدم توقيع لبنان للتمديد هو فرضية ضعيفة بسبب موافقته على تمويل المحكمة اي أنه ليس لدى لبنان حجة لعدم التجديد. “يعتبر تمويل المحكمة من بين الالتزامات التي لا بد للحكومة اللبنانية أن تتقيد به ، لأن واقع ان المحكمة ستعمل طوال ست سنوات لا يعفي لبنان على سبيل المثال من التعاون مع هذه المؤسسة فتمويل المحكمة وباعتباره واجباً دولياً مفروضاً على لبنان يجب ان يستمر طالما ان المحكمة تعمل”. بحسب الاستاذ في القانون الدولي الأب فادي فاضل. وهذا يعني أنه في حال عدم التوقيع على التمديد يظهر لبنان بصورة المتنصل من تعهده بدفع الأموال المتوجبة عليه.
توجيهات سياسية
هل من الافضل ان يسير هذا البروتوكول ويطبق بمنأى عن الموقف اللبناني ؟ بحسب فاضل “المحكمة الدولية مؤسسة قضائية دولية هدفها الحكم على مغتالي الرئيس رفيق الحريري والشهداء الآخرين واذا كانت ستعمل وفق توجيهات سياسية محددة من الدول فإن ذلك يهدد استقلاليتها السياسية لذا من الطبيعي والمنطقي ان تعمل المحكمة بشكل مستقل تماماً عن التوجيهات السياسية للدول هذا من دون غض النظر عن أن هذه الدول نفسها قد وافقت على التعاون مع المحكمة والالتزام بما تخرج به من دون تحفظات ومن ضمنها لبنان، اما الدول التي لم تلتزم التعاون منذ البداية فليست مضطرة أو ملزمة أن تفعل ذلك اليوم”.
مطب جديد
بين السياسية والقانون، مطبّ جديد عنوانه التجديد لبروتوكول المحكمة. هل ستتخطى الاطراف السياسية والحكومة هذا “ القطوع” على غرار سالفاته. ام أن تعاطي الطرفين أي حزب الله وميقاتي هذه المرة بنوع من التشبث بالرأي مع الاستحقاق الجديد سيزيد من الإلتباس في العلاقة بينهما فينقلها كما يقال من “ تحت الدلفة لتحت المزراب”.

