إفتتح رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قبل ظهر اليوم الدورة الـ 21 من منتدى الإقتصاد العربي بمشاركة عربية تضم وزراء ومحافظي بنوك مركزية ورؤساء وممثلين عن الهيئات المالية ومؤسسات العمل العربي المشترك.
وقد ألقى الرئيس ميقاتي كلمة جاء فيها:
أصحاب الدولة والمعالي والسعادة، الحضور الكريم، أهلاً بكم، أشقاء وأصدقاء، في لبنان الذي يعتز دائماً بوجودكم في ربوعه، ليس للمشاركة في الدورة الحادية والعشرين لـ "منتدى الإقتصاد العربي" فحسب، بل كذلك لتؤكدوا، من خلال هذه المشاركة، ثقتكم بهذا البلد وبدوره ومميزاته التفاضلية، وبمؤسساته الإقتصادية والمالية، ولتشهدوا خصوصاً على قدرته على متابعة مسيرة الإنماء وتحسين بنيته التشريعية والإستثمارية من أجل تحفيز الإستثمارات وتوفير فرص العمل، على رغم الأوضاع الصعبة التي يعانيها نتيجة ما يحصل في المنطقة من أحداث وتطورات تنعكس عليه بشكل أو بآخر. وفي يقيننا، أن إنعقاد "منتدى الإقتصاد العربي" في بيروت، كما في كل سنة، هو فعل إيمان يتجدد دورياً بقيمة لبنان وفرادته، وبإنتمائه العربي وبإلتزامه القضايا المشتركة التي تبقى، رغم كل ما يجري، الجامع الذي يربط بين الدول العربية التواقة دائماً إلى تحقيق غد أفضل لشعوبها ومجتمعاتها. فشكراً لمنظمي هذا المنتدى لا سيما "مجموعة الإقتصاد والأعمال" بإدارة الصديق رؤوف أبو زكي وبالتعاون مع مصرف لبنان وجمعية المصارف ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي.
الحضور الكريم، لقد عملت الحكومة التي تشرفت برئاستها خلال العامين الماضيين، بالتعاون مع المجلس النيابي الكريم ومصرف لبنان وكافة الهيئات المعنية، على عدة مسارات من أجل تفعيل الديناميكية الإقتصادية وتحقيق تطورات أكبر وأسرع في معظم القطاعات. وهذه المسارات وردت ضمن مشروع إقتصادي إجتماعي متكامل أعدّته رئاسة مجلس الوزراء وتم العمل ببعض مندرجاته عندما تأمّن التوافق ضمن مجلس الوزراء.
ومن أهم هذه المسارات :
1. معالجة قضية الفساد المستشري والهدر والإستغلال السياسي للمرافق العامة.
2. وضع ضوابط أساسية للمالية العامة عبر تحديد سقوف للدين العام والعجز.
3. بدء معالجة قضية البنى التحتية لوقف ترهلها وإعادة تكيّفها مع متطلبات النمو والعمران.
4. تحسين البيئة التشريعية لأداء الأعمال عبر تعديل أو إصدار عدة مشاريع قوانين لهذا المجال.
5. معالجة القضايا الإجتماعية والتربوية عبر إعداد خطط طموحة للتغطية الصحية وتطوير نظام التقاعد في القطاع الخاص وتأهيل البرامج التربوية لملاءمتها مع سوق العمل.
6. فتح المجال للقطاع الخاص للمساهمة وإنتاج الخدمات العامة.
7. معالجة قضايا غلاء المعيشة وإنعكاساتها على قضايا الأجور.
وبالتزامن، أولت حكومتنا الثروة النفطية الموعودة، الإهتمام والعناية، فأنجزت خطة متكاملة للتنقيب عن النفط والغاز بدأ تطبيقها منذ أشهر بعد وضع النصوص القانونية اللازمة، وتشهد مراحل تنفيذ هذه الخطة إقبالاً من الشركات العالمية التي سارعت إلى تقديم العروض وطلبات الحصول على التراخيص اللازمة على نحو يحفظ حقوق الدولة اللبنانية من جهة، وحقوق الشركات من جهة أخرى، ولن تنقضي سنة 2013 إلا وتكون الإجراءات التنفيذية للمباشرة بالتنقيب عن النفط والغاز قد اكتملت وفق البرنامج الذي أعده مجلس الوزراء. وستتوافر لكم خلال أعمال المنتدى فرصة الإطلاع بالتفصيل على ما تحقق في القطاع النفطي، وما يتوقعه لبنان من هذا القطاع من نتائج إيجابية ستوظّف في تعزيز القدرات المالية للدولة اللبنانية وتنفيذ العديد من المشاريع الإنمائية.
أما القطاع الخاص، فقد أثبت قدرته على التأقلم مع الكثير من المعوقات، وتمكن من متابعة مسيرة النمو رغم التحديات والصعاب الجمة التي تواجهه بسبب الأوضاع المتأزمة من حولنا، والأزمات السياسية المتتالية التي يشهدها لبنان منذ سنوات عديدة، والتي كان لها الأثر الواضح في لجم القدرات التي يختزنها الإقتصاد الوطني، كما أثرت على وتيرة النمو وأخّرت الكثير من الإصلاحات، التي لا بد منها إذا أردنا أن نطلق العنان لكافة الطاقات ونجعل من وطننا بلد الإستثمارات بدل أن يكون بلد الفرص الضائعة. وفي يقيننا أنه لا بد من أن يكون هنالك توافق وطني على الخيارات الإقتصادية الأساسية التي لها طابع إستراتيجي وحيوي لتأمين النمو والإستقرار.
أيها الحضور الكريم، لقد نجحنا في الصمود في وجه العواصف التي هبت في دول الجوار ولا سيما في سوريا وكذلك في المنطقة ككل، على رغم ضيق الخيارات التي أتيحت أمامنا وتزايد التجاذبات السياسية التي أثرت سلباً على إنطلاقتنا في مجالات عدة. وإستطاعت الحكومة في المقابل، من خلال سياسة " النأي بالنفس " التي اعتمدتها، أن تحمي لبنان من إنعكاسات ما كان يجري في سوريا، فصانت الوحدة الوطنية وطوّقت الفتنة، وحالت دون إمتداد بعض الأحداث الأمنية التي أرهقت ولا تزال ترهق أهلنا في مناطق لبنانية عزيزة على قلوبنا. وسواء أقرّ البعض بصوابية هذا الخيار أو لم يقرّ لإعتبارات مختلفة، فإن ما إلتزمت به حكومتنا هو الخيار الوطني السليم الذي سوف يمكّن لبنان من تجاوز تداعيات هذه الأحداث إلى أن يعود الإستقرار والأمن إلى سوريا، وأي بديل يناقض هذا الخيار أو يعطله سوف يدخل لبنان في دوامة لن يكون من السهل الخروج منها، فضلاً عن أنه سيصب في خانة العاملين ضد إستقرار لبنان وسلامته.
إن خيار "النأي بالنفس" لم يحل دون معالجة الحكومة للملف الإنساني الذي تمثّل بنزوح الآلاف من الأشقاء السوريين إلى المناطق اللبنانية، إلى درجة لم تعد فيها قدراتنا الذاتية كافية لتأمين الرعاية الإجتماعية والصحية والتربوية اللازمة لهم، فكانت النداءات إلى المجتمعين العربي والدولي للمسارعة في دعم لبنان والوفاء بالإلتزامات التي أقرها مؤتمر الدول المانحة في الكويت، لا سيما وأن أعداد النازحين إلى تزايد، فيما إمكانات الدولة اللبنانية المخصصة للإهتمام بهم، إلى تراجع كبير.
ويتطلع المخلصون بأمل كي تتضافر جهود القيادات اللبنانية خلال الفترة المقبلة للمحافظة، ليس فقط على الإستقرار الأمني، بل كذلك على الإستقرار السياسي من خلال إنجاز قانون جديد للإنتخابات وتشكيل حكومة جديدة تنتقل إليها مسؤولية إستكمال مسيرة المحافظة على الوحدة الوطنية وتحصين السلم الأهلي والحد من تأثير ما يجري من حولنا على ساحتنا الداخلية، وتنشيط الحياة الإقتصادية، وتعزيز الرعاية الاجتماعية والتربوية والصحية وغيرها من الإنجازات التي تصب في مصلحة جميع مكونات المجتمع اللبناني.
أيها الحضور الكريم، إن المضي في ضرب المقومات الإقتصادية للدول التي تشهد إضطرابات سياسية، يصيب مستقبل الشباب العربي في الصميم ويدفعه إلى اليأس والهجرة، فتفرغ هذه الدول من الطاقات التي ستعيد البناء من جديد، وفي قناعتنا أن دولنا تحتاج إضافة إلى العناية بـ "الربيع العربي" الشبابي، التأسيس لـ"ربيع إقتصادي عربي" يكون قوامه التجدد ومواجهة التحديات الإقتصادية التي تطرق أبوابنا ولعل رفع الحواجز الإقتصادية بين الدول العربية لتحقيق الإفادة المشتركة من مقومات وثروات كل دولة والتأسيس للسوق العربي المشترك يشكل أساساً صالحاً للبدء بخطوة حقيقية نحو إزدهار إقتصادنا. من هذا المنطلق أدعو اليوم إلى تحييد الإقتصاد العربي عن تداعيات الخلافات السياسية ومفاعيلها الأمنية، وإعطاء الفرصة للشباب العربي كي يساهم في إطلاق عجلة النمو مجدداً في الدول العربية لا سيما منها تلك التي شهدت وتشهد خلافات سياسية وإضطرابات أمنية.
أيها الحضور الكريم، مرة جديدة أرحب بكم في وطنكم الثاني لبنان الذي أثبتت الأحداث – على مر السنين – قدرته دائماً على مواجهة الأخطار والتغلب عليها، وما وجودكم اليوم، كما في الأعوام الماضية، إلا دعامة إضافية له تعبّد طريقه نحو التقدم والنجاح، ودليل ثقة به وتجديداً لرعايتكم له. ولبنان – بكل مكوناته – ممتن لمحبتكم ويبادلكم أضعافها. وفقكم الله وسدد خطاكم وكلّل مؤتمركم بالنجاح والتوفيق، والسلام عليكم.
الكتابة لنا في مكتب نجيب ميقاتي